رجلٌ متأخرٌ وامرأةٌ أخيرة


شعر : حسن عامر
.....................

أجلْ
كانَ لابدَ أن نستريحَ قليلًا،
ونُدْنيَ كلَّ الفراشاتِ من مَقْعَدينا قليلًا
لأهمسَ: إني أحبكِ،
لكنَّهُ الوقتُ فاتَ،
أنا الرجلُ المُتَأَخِرُ دهرًا،
وأنتِ البلادُ التي أغْلَقَتْ دونَ قصدٍ نوافذها،
والقطارُ الأخيرُ الذي لم يَسَعْهُ انتظاري،

مع الريحِ جئنا
غرَيبينِ لا وجهةٌ أوقَفَتْنا،
ولا أنصفتنا المواعيدُ يا بنتَ عمي
بريئَيْنِ إلا من الأمسِ، والذكرياتِ التي لا تُدَواى،
كبحارةٍ أجهشوا بالحنينِ لأولِ مرسى
وقفنا نلوِّحُ من شرفةٍ للبعيدِ: انْتَظِرْنا
وهيِّيءْ لنا سُلَّمًا للصعودِ إلى ما نريدُ
وكانَ المدى حينها مُسْرِفاً في الغوايةِ
بعدَ انحسارِ المسرَّاتِ عن ساحلِ العمرِ،
والأرضُ فوضى،

وكانتْ بلادٌ مصابيحها الوهمُ تعوي،
وكانتْ مساميرُ من يصنعون الصليبَ لكلِّ نبيِّ
تدقُّ عظامي،
وكنتُ وحيدًا،

معي كلُّ ما خبَّأتْهُ القرى من بيوتٍ،
وما أنْضَجَ الشيخُ في قِدْرِ روحي،
معي صوت أمي سلاما وحلوى
وما أسقطتْ نخلةٌ في الجنوبِ البعيدِ من التمرِ،
ما دسَّهُ حقلُ قمحٍ، مواويلَ تمشي فأمشي،
معي كلُّ ما أحرقته المسافاتُ عامدةً من غناءٍ،
وما دوَّنَتْهُ المنافي من الجوعِ، والبردِ،
والركضِ خلفَ المجازِ العنيدِ على عتباتِ الليالي،
وما خلَّفَتْهُ البناتُ اللواتي تَقَاسَمَنَ قلبي،
معي أصدقائي مريدو ضلوعي،
وما زلتُ وحدي

وأنتِ على بركةِ الغيبِ صفصافةٌ من ضياءٍ
تَفُكِّينَ شَعْرَكِ،
كي تضعَ الحربُ أوزارها،
كي تطيرَ العصافيرُ للجانبِ الخَصْبِ،
دونَ رصاصةِ غدرٍ،
وعيناكِ أخرُ حدُّوتَتَيْنِ لطفلٍ رَمَتْهُ المحطاتُ مثلي،
وكفَّاكِ غُصْنانِ مالا فقالا، وقالا،
ونهداكِ قُمْريَّتانِ تنامانِ دونَ ضجيجٍ،
وخَصْرُكِ موسمُ جمعِ المجرَّاتِ من حقلها في الأعالي

على حينِ ما لستُ أدري
كما يفتحُ الليلُ أحضانه للسكارى،
كما تستعيدُ المراعي غزالًا شريدًا،
كما تلتقي دونَ سابقِ معرفةٍ موجتانِ التقينا،
نما الريشُ في ساعدينا فَطِرنا،
وأَرْخَتْ لنا غيمةٌ شالها فاسترحنا،
خَفِيفَيْنِ مثلَ الندى فوقَ خَدِّ الصباحِ
ومُمْتَلئينِ بما يشعلُ الحزنَ غيظا،

وكنتُ أعلِّقُ ليلي على حَبْلِ شَعْرِكِ
حتى يجفَّ اختبائي وراءَ الشبابيكِ وحدي،
وكنتِ اعتذارَ الحياةِ المثاليَّ عن كلِّ ما ليس يُحْكى
وكان عليكِ احتضاني،
وكانَ، فذبنا

ومثلَ انسحابِ عصا عازفٍ من عروقِ الكَمَانِ انسحبنا،
غريبَيْنِ يستأذنانِ الشوارعَ
في أنْ تمنَّ بحائطِ مَبْكَى

عائشة عودة: كتابة تجربتي في سجون إسرائيل واجب تاريخي

بعد نيلها جائزة "مؤسسة ابن رشد للفكر الحر" لعام 2015 عن فئة أدب السجون، كيف ترى السجينة السابقة والكاتبة الفلسطينية عائشة عودة تجربتي سجنها وكتابة هذه التجربة؟ وما دور الأدب في تسليط الضوء على هذه القضية؟ 


نالت الكاتبة الفلسطينية عائشة عودة (71 عاماً) جائزة "مؤسسة ابن رشد للفكر الحر" السابعة عشرة. كما فاز كل من مصطفى خليفة من سورية عن روايته "القوقعة: يوميات متلصص" وأحمد المرزوقي من المغرب عن روايته "تزممارت: الزنزانة رقم 10" بالجـــائزة الثـانيـــــة التقــديرية. تحكي عودة في روايتيها: "أحلام بالحرية"(2005) و"ثمناً للشمس"(2012) عن تجربة سجنها في السجون الإسرائيلية بين الأعوام 1969 و 1979. DW عربية حاورت عودة عشية حفل تسلمها الجائزة، الذي سيجري اليوم في برلين:
كتبتِ "أحلام بالحرية" في إطار أدب السجون، ثم تحررت من أدب السجون في مجموعتك القصصية "يوم مختلف"، ثم عدت لأدب السجون في "ثمناً للشمس". هل أصبحت سجينة أدب السجون؟
عائشة عودة: أنا لم أستهدف أبدا أدب السجون. مشروعي في الكتابة كان يستهدف تحويل تجربتي في الأسر إلى نص مكتوب، يستطيع أي فرد الاطلاع عليها متى شاء. في الحقيققة أنا أضع نصي ضمن أدب المقاومة أو أدب الحرية، فالسجن كان مرحلة في مسيرة نضالي. بمعنى أنّي لم أشغل نفسي في تصنيف ما أكتبه. هذه ليست مهمتي. وأنا لست سجينة أدب السجون، بدليل أني كتبت "يوم مختلف" بعيدا عن السجن وتجاربه. وقريبا سيصدر لي كتابان لا علاقة لهما بالسجن.

هل هناك نية لتكريس نفسك للكتابة الأدبية المحضة في فضاء الأدب الفسيح والانعتاق من ضغط التاريخ والجغرافيا واللحظة الراهنة، وبشكل نهائي؟
أشك في إمكانية تحرري من ضغط التاريخ والجغرافية، إذ لا مخرج لي منهما، إلا إذا أنجز حل عادل لقضيتنا وتحررنا من الاحتلال بشكل ناجز. أنا لا أستطيع ولا أريد، أن أنفصم عن واقعي وشعبي. ثم لماذا يفصل الأدب النابع من المعاناة واجتراح وسائل الصمود والنضال من أجل التحرر، بأنه خارج فضاء الأدب الفسيح؟ رأيي أنه في صميم الأدب الإنساني الفسيح والعميق أيضا.

هل كتبتِ ما كتبته للمعارضة والرفض لسجانك أم للتأريخ لتجربتك أم للأسباب ذاتية ورغبة داخلية بالبوح؟
إن سجّاني لم يأتِ ليتحكم في حياتي ومسارها لكونه معارضا أمكنة الوصول إلى السلطة بالانتخابات الديمقراطية. إنما سيطر علينا وعلى أرضنا ومائنا وسمائنا وبحرنا وتاريخنا بالقوة والحرب، مستخدما كل أشكال الأسلحة في القتل والتدمير. لذلك أنا لا أقف موقف المعارض له، وإنما المقاوم له. وكتابة تجربتي هي كشفه على حقيقته. هي شكل من أشكال المقاومة بعد أن وصلت الستين من العمر. كما أن كتابة تجربتي واجب تاريخي، كي لا يأتي آخر ويسجلها على هواه. وأنا أقدم تجربتي وأؤرخها التي هي جزء من نضال شعبي من أجل حريته. وهي بوح بما اختزن في الروح من ألم وتعذيب حد الخرافة.

 
لماذا تأخرت بالكتابة عن التجربة إلى بعد سن الستين وانقضاء ربع قرن عليها؟ ولماذا هذا التباعد ثماني سنوات بين صدور الجزأين؟ ولماذا في جزأين؟
كان الاقتراب منها والغوص في تفاصيلها من أجل الكتابة مؤلما جدا. وكل محاولات الكتابة في فترة الإبعاد باءت بالفشل. ربما كنت أهرب من استعادة تجربة التحقيق والسجن، إذ كان الاقتراب منها مروعا. كان لا بد من الابتعاد عنها زمنا كافياً، لأستطيع تناولها. إضافة إلى الظروف التي ألقي بي إليها؛ أعني الإبعاد القسري، الذي لا شيء أمرّ منه. لم يتح لي التقاط أنفاسي، لأجلس وأكتب بشكل جدّي.

أما لماذا في جزأين متباعدين زمنيا ولماذا في جزئين؟ على الأرجح أني كنت في حاجة للتنفس من كتابة الجزء الأول، فاحتجت إلى استراحة المحارب الذي هو كتاب "يوم مختلف"، الذي لم يقترب من السجن أبدا. وأنا لا أرى مشكلة في ذلك. كما أن التجربة كان لها زمانان غير متشابهين في إيقاعهما. فالأول تناول فترة التحقيق الكثيفة الأحداث، والحبلى بالمفاجآت الجوهرية وتعادل لحظاتها سنوات. بينما الكتاب الثاني، تناول زمنا يتمطى ويتثاءب بكسل مريع. فقير بالأحداث والمستجدات ونبض الحياة ويسير كديناصور. 

بعد ربع قرن على انتهاء التجربة، هل تظنين أنك بقيت أمينة لأحاسيسك ومشاعرك؟ ألم تخنك الذاكرة في التفاصيل؟ وأدب السجون هو أدب التفاصيل. هل كان وعيك عندما أنهيت التجربة هو ذاته عند تدوينها؟ هل كنت أنت أنت، أم أضحيت واحدة غيرك؟
كنت أمينة بدرجة عالية في كل التفاصيل التي كتبتها، ذلك أنها محفورة بالوعي والذاكرة حفرا كما يحفر إزميل بصخر، لذلك لا أستطيع نسيانها حتى آخر يوم في حياتي. لكن الانفعال بها يقل مع الأيام، وتتعمق الرؤية والفهم لها، الذي مكنني من انتقادها وتقييمها. كما أن لغة التعبير عنها تطورت. وهكذا، فأنا أنا وأنا لست أنا. 

كيف استقبلت فوزك بالجائزة؟
أذكر جيدا أنه حين اتصل الدكتور نبيل بشناق - الرئيس الفخري لمؤسسة ابن رشد للفكر الحر- وأعلمني عن فوزي، بكيت وتحشرجت عبراتي. كانت فرحتي كبيرة، كما لو أنه أفرج عني من السجن الآن. هي فرحة حقيقة ستبقى تولّد الفرح فيّ. وأنا ممتنة لمؤسسة ابن رشد للفكر الحر، التي أتاحت لي هذا الفوز، فالمعاناة التي مررت بها أثناء الكتابة لم تذهب سدى.

فزت بالجائزة لهذا العام، وفاز كل من السوري مصطفى خليفة والمغربي أحمد المرزوقي بالجائزة الثانية التقديرية. وهي المرة الأولى التي تعلن مؤسسة ابن رشد فيها عن أسماء الفائزين بالدرجة الثانية. ما هي في اعتقادك رسالة لجنة التحكيم ومؤسسة ابن رشد؟
لقد أعلنت مؤسسة ابن رشد في بيانها عن رأيها في قرارها هذا. رغم أني لا أراه كما تراه المؤسسة. فمصطفى خليفة وأحمد المرزوقي يستحق كل منهما الفوز بجائزة كاملة، لتسلط الأضواء على كتابيهما بما يستحقان. وأما كتابيّ اللذين استحقا الجائزة، فهما يتناولان التجربة في مقاومة الاحتلال (أصل الشرور في المنطقة)، فهما يستحقان كذلك الانفراد بقضيتهما. أما وضع القضيتين على طاولة واحدة، فهما يضعفان بعضهما بعضا.
هل هناك توجه لترجمة أعمالك للغة الألمانية؟
أتمنى ذلك. 

 
ما تقييمك لدور الأدب في تسليط الضوء على قضية السجناء الفلسطينين في إسرائيل؟ وأين نجح وأين أخفق؟
فوز كتابيّ، هي المرة الأولى التي يشار فيها إلى ما كتبه الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال، رغم عشرات الكتب، بل المئات، كتبها أسرانا المناضلون من أجل حرية شعبهم. وآمل أن يكون هذا الحدث بداية لفك الحصار عن كتاباتهم، لنقل معاناتهم إلى شعوب العالم. وصراحة، فإننا نشعر بأنه يتم محاصرة قضايا أسرانا رغم حجم المعاناة التي يعانونها والظلم الواقع عليهم والأحكام الكبيرة التي لا مبرر لها. فمثلا؛ حكم (مجدوهو ابن 17 سنة)، 30 عاما لكونه حلم بأنه يحمل سلاحا ويطلق النار على جنود الاحتلال، على إثر اجتياح رام الله عام 2002. وهو ما زال يمضي سنوات شبابه في السجون الصحراوية التي أقامها الاحتلال هناك.

بأي عين ترين الأدب العبري، وما تقييمك له؟ وخصوصاً الأعمال التي تتناول قضايا إنسانية فلسطينية؟
أنا لم أسمع عن أدب عبري تناول قضايا إنسانية فلسطينية، فالكتاب الاسرائيليون يتجاهلون وجودنا تماما. لقد ورد في كتاب "ثمنا للشمس" قصصا تؤكد هذا النكران التام. هناك بعض الكتاب الذين تجرؤوا وذكروا – مجرد أنهم ذكروا - أو جعلوا إحدى شخصياتهم فلسطيني، فتم محاصرتهم من قبل المؤسسة الصهيونية. ذلك أن الاشارة –مجرد الإشارة - إلى وجود فلسطيني واحد، تكذّب مقولتهم بأن فلسطين بلا شعب.

الآن وبعد أن وصل بعض آباء الصهيونيين الأوائل إلى سن التسعين، أخذوا يبوحون بأسرارهم كيف قتلوا وهجروا ونسفوا قرى بكاملها، وكيف بنوا الكذبة الكبرى بأن فلسطين بلا شعب. وقال أحدهم إن الفلسطينيين هنا منذ أكثر من خمسة آلاف سنة، فالأدب (العبري) (الإنساني) منطلق من هذه الخرافة الوقحة. 



الشاعرة الجزائرية نسيمة بوصلاح.. أنوثة تتجاوز زخرف البوح إلى مساءلة المعطـّل



 كتب : أحمد الشيخاوي
............................


لعل فضول الإحاطة ـ جمالياــ بالكينونة الذاتية ومعرفيا حتى ،أو بالأحرى التقيد بخوض مغامرات اقتناص بعض الحظ مما قد يقود إلى مستويات النبش في أسرار وجودية تبرّر نسبية انفتاحنا على ما يعمّق فهمنا للعوالم التحتية والدفينة في ارتباطاتها وتداخلاتها مع منظومة أسئلة لحظية مستعصية تتيح مقاربات منطقية لتخوم أنوية النزوع نحو الهامشي والمعطل مرورا بغيبوبة تمنحها الميتافيزيقيا الدالة على بؤر التصالح مع الذات والانخراط في حيثيات الراهن  .

لعلّ ذلك و ما يوازيه يعدّ من أبرز ما يحفّز على الكتابة،و فضّ بكارة البياض وتقليص حيّز العشوائية والارتجال،ضمن نطاق تصول فيه الذهنية وتجول فوق ما تفعل أدوات الفعل الإبداعي.إنه ثقل المعلومة و وطئتها  وحجمها الخرافي وتمنّعها على الاختزال في المعنى الواحد واليتيم .

أخال الشاعرة الجزائرية نسيمة بوصلاح لا تزيغ في مجمل منجزها عن السرب المترنم بكهذا طرح . إنها نموذج صوتي لا يضحي بفنية العنصر التعبيري إلا اضطرارا،وإن ثمّ لها ذلك ففي حلّة تصعق محاولات النفاد والتسلل إلى كنوزها الإيديولوجية التي تنتصر للوازع الإنساني وتفجّر مكامن النضارة في تجعّدات المنجز.

لذا سنقتصر في احتضاننا لهذه التجربة المكتظة بمواويل الأنوثة الصارخة والمتحصنة بهودج الرؤى المقارعة لفحولة الأصوات الرجالية. نكتفي بالقصيدة الموسومة بــ ” هامش على شره البحر الوهراني ” ما دامت تفي بالأغراض المفذلك لها سالفا.

الرُّؤَى..،
سَعَفٌ تَدَاوَلَهُ الرُّوَاةْ…
والكَتَاتِيبُ اخْتِصَارٌ..،
للأَقَاوِيلِ الَّتِي..،
قَدْ عَطَّلَتْ لُغْمَ اللُّغَاتْ…
حضاري وإنساني أن نلج مرحة الاستغناء الواعي عن اللغم أو أي سلاح مهما صغرت أو كبرت حدّة الخطورة المترتبة عليه، كانسلاخ سلوكي إلى تعمير عالمي يفيض تآخ ومحبة واستقرارا وأمنا و تعايشا وسلاما. بيد أن لغم اللغة يأخذ مفاهيم مغايرة تماما، وقد ذيّل المقطع أعلاه بسطر شعري صريح الوشاية بتلك المفاهيم.

إنها رؤى استباقية تنزع عن الصحراء رداء البراءة وتزكّي الطرح الممسوس باستذئابها  وتعطشها المرضي للدم في زماننا الحالي .وكأنها تعيش دورة كاملة يتأرجح منحنى جاهليتها  أفقيا وعموديا ليبلغ ذروته زمكانيا أكثر من يدفع ثمنه جيل الشاعرة.

ذنب هذه الصحراء أنها سنحت لكتاتيب الأقاويل المغذية للتّطرف ،و رخّصت لها سبل التعشيش والتفريخ، فكان من البديهي أن يغرق العالم وتصطبغ صحراؤه بالدماء.

وَالفَضَا..،
مَاءٌ تَكَلَّسَ فِي جَبِينِ حِكَايَةٍ،
تُفْشِي العَرَائِسَ ..،
للَّذِينَ تَنَاقَلُوا خَبَرَ الوَفَاةْ…
هِيَ ذِي البَلَاغَةُ تَقْتَفِي شَبَقَ الخُيُولْ..،
تَذْرُو الرِّمَالَ عَلَى مَتَاهَاتِ الكِنَايَةِ،
واهْتِرَاءَاتِ النُّحَاةْ،
لا أخسّ وأقذر من أن يتلطّخ الفضاء بدوره بما جنت يد البشر وأملت شيطنة الاتجار في الدين. أن يتحول الفضاء إلى جوقة تمتهن وظيفة النعي وتغلّب خيول السبق إلى الأنانيات والتقوقع على المآرب الشخصية، مقابل  قشور تفضحها الكتابة الحقيقية المحتفية بالمتبقي فينا من آدمية وكرامة وعنفوان.

فُكَّنِي..،
يَا أَيُّهَا الـمُفْضِي إِلَى شَرَهِ البِحَارْ..،
فُكَّنِي..،
كَيْ أَسْتَقِيلَ مِنَ الكِتَابَةِ،
والمجازاتِ الَّتِي مَا أَمْطَرَتْ،
غَيْرَ التلكؤ فِي مَطَارِ الأُمْنِيَاتْ…
هي كينونة مقترنة التجليات بثيمة كتابة الهامش المفضي إلى البحر، بكل تأكيد. هي كينونة دافعة باتجاه اعتزال كتابة الاجترار  والتكرار والمجازات الفكهية المكفّرة والمحرّفة للأبعاد الدينية الرسالية، وتنصل من عنق مجازاة الأثرة والتعسف الفكري والعقدي . هي كينونة لا يزادن تجوالها إلا بالانغماس فيما هو حداثي لا ينم عن تبعية أو  انزلاق متهور من نسج غواية دخيل.
هَا ظِلُّكَ العَرَبِيُّ يَعْبَثُ بِالتَّفَاصِيلِ الَّتِي..،
قَدْ قَلَّبَتْ قَلْبَ الحَدَاثَةِ،
واسْتَطَالَ بِهَا الشَّتَاتْ…
البَحْرُ حِبْرٌ زَاخِرٌ..،
والـمَجَادِيفُ اسْتَعَدَّتْ،
كَيْ تَقُولَ لِكُلِّ هَاتِيكَ الـمَرَاثِي:
عَرَّشَ التَّانْغُو عَلَى سَفْحِ الحِكَايَةِ،
موسما”للنَّازِلَاتِ الـمَاحِقَاتْ،
فاشْهَدُوا”..،
أَنَّ الجِهَاتِ تَبَدَّلَتْ أَسْمَاؤُهَا،
لِتَقُولَ إِنَّكَ..،
صِرْتَ وَحْدَكَ..،
كُلَّ هَاتِيكَ الجِهَاتْ…
أَعِدِ الشَّرِيطَ..،
الأرجح أن حثالة العربدة والفتك والبطش القائم ، فوق نعتها بالظلال العربية العابثة بالتفاصيل، والمبدّلة لأسماء الجهات والمتسببة بكل هذه المرثي،والمزينة للروح انزوائها واعتكافها على المشهد البحري الهامس إذ يضمد جراحات ذاكرة مترهّلة مثقلة بمسارح الدم المسفوك حمية وجهالة، حدّ تصور البحر مدادا تهب أسراره وطقوس تمليه طاقة موجبة تخول الكتابة المضاهية للوثنية والهمجية والشذوذ.

لذا تلزم إعادة عرض الشريط ، ومحاسبة النفس، و محاولة ترتيب الأوراق من جديد.

رُبَّمَا.. تَمْشِي الجَرَائِدُ فِي جَنَازَتِكَ الَّتِي..،
لَمْ يَبْكِهَا إِلَّا الصَّعَالِيكُ العُصَاةْ…
رُبَّمَا.. فَتَّقْتَ جُدْرَانَ القَصَائِدِ بِالبُكَاءْ..،
وانْتَقَمْتَ مِنَ الفَرَاغَاتِ الَّتِي..،
رَصَّعْتَهَا بِدَمِ الحَيَاةْ…
أَعِدِ الشَّرِيطَ لِكَيْ أُلَوِّنَ غُصَّتِي..،
وَأَقُولَ إِنَّ غُثَاءَكَ الفِضِّيَ أَبْرَقَ..،
ثُمَّ أَرْعَدَ..،
ثُمَّ أَرَّقَنِي وَمَاتْ… 
لا جرم أن جريمة الإعلام عموما ماثلة في الانحياز السافر إلى الخطابات المسوّقة للأصولية في معناها القدحي المرفوض ، أو المنابر المقامرة بالعنصر البشري عبر التعتيم الممنهج والمقصود المواري لخلايا الإرهاب النائمة.

وإذن… بالغثاء الفضي للصعاليك العصاة ، في استعارات ملهمها البحر ، الوهراني هنا، كما في حالة شاعرتنا ، البحر كمتنفسّ ومعلّم حقيقي، و فضاء سيريالي ينطوي غموضه ورمزيته على ما يجعل زوايا النظر إلى الراهن وعالميته مختلفة تماما ومتزنة غير مندفعة و لا هوجاء .

بهذيانهم تتمّ عملية الانتقام المشروع من فراغات يحصل استغلالها لصالح صناع الموت وعشاق الفوضى وآلهة الخراب.
فدم الحياة يجب أن يطغى ويسود. وألوان الحياة التي تعقب غصة مرثاة المشهد، لن تجود بها  غير أرحام القصائد الصافية المتمردة على القيود البالية والهاجس العقدي المهجن والمدنّس .

قصائد صادمة من حيث معادلها الإنساني الكامن في مدى اكتساب المقدرة والجرأة كذلك على نبذ السائد وخلخلة الموازين  وتبني الهامشي ومساءلة المعطّل .

"ألمانيا تتكلم عربي".. ازدهار لغة الضاد إثر موجة اللاجئين

بعد أن كانت العربية حبيسة معاهد الاستشراق، عمدت وسائل إعلام ألمانية إلى إطلاق برامج ومطبوعات بالعربية من أجل تسهيل اندماج اللاجئين الوافدين حديثا إلى ألمانيا، إذ تقدم هذه العروض الإعلامية نظرة إلى تاريخ ألمانيا وثقافتها. 


فتاة ألمانية شقراء تقف خلف قدر كبيرة للحساء ممسكة بمغرفة خشبية في أحد مراكز استقبال اللاجئين في ألمانيا. قد يبدو المشهد عادياً، لكن حينما تبدأ الشقراء بقول "شوربة! شوربة! عندي شوربة!" بعربية ممزوجة بلكنة ألمانية واضحة، يختلف المشهد تماماً. وهو ربما ما عبر عنه الكثير من المتابعين لمقطع الفيديو هذا، الذي انتشر في الفيسبوك. حتى أن بعض المعلقين قالوا، إن موجة اللجوء جعلت ألمانيا تتحدث العربية. وقد لا يكون هذا التعليق خطأ تماماً.

إذ وبعد أن كان حضور اللغة العربية في ألمانيا لعقود طويلة مقتصراً على النشرات العلمية ومعاهد الاستشراق، غيرت موجة اللاجئين - ونسبة كبيرة منهم تنحدر من بلدان عربية – من هذا المشهد، إذ تحررت لغة الضاد من رفوف خزانات المكتبات الألمانية وباتت جزءاً من تعامل ألمانيا مع موجة اللاجئين.

ويبدو أن موجة اللجوء إلى ألمانيا وضعت جانباً على المدى القصير أحد مطالب سياسة الاندماج المهمة، والذي يؤكد على أهمية إتقان المهاجرين للغة الألمانية من أجل سهولة اندماجهم في مجتمعهم الألماني الجديد بشكل يمكنهم من التواصل مع محيطهم والبحث عن عمل ومساعدة أطفالهم في واجباتهم المدرسية أو حتى تعبئة أي استمارات مطلوبة. فمن أجل أن يطلع الوافدون إلى ألمانيا مبكراً على نظامها السياسي وثوابته، تُرجم دستور البلاد إلى العربية وُوزع عليهم، وباتت بعض الصحف الألمانية تصدر طبعات خاصة بالعربية لهؤلاء اللاجئين المنحدرين من دول عربية كسوريا والعراق.

صحيفة شعبية بطبعة عربية
يعرف المطلع على تاريخ ألمانيا بأن صحيفة "بيلد"، التي ارتبط أسمها خلال العقود الماضية بالكشف عن فضائح سياسية واجتماعية عدة، تتمتع بشعبية كبيرة في بلاد غوته. وأصدرت الصحيفة مطلع أيلول/ سبتمبر الماضي في برلين وبراندنبورغ ملحقاً مجانياً من أربع صفحات يتضمن معلومات هامة للاجئين وأهم معالم العاصمة برلين، التي يجب على اللاجئين الجدد معرفتها. وإلى جانب خريطة معلمة بأهم العناوين احتوى الملحق على قاموس بأهم المفردات الألمانية وما يقابلها بالعربية.

        من ملحق صحيفة "بيلد" بالعربية

وأصدرت الصحيفة، الصادرة عن دار شبرينغر للنشر، 40 ألف نسخة من هذا الملحق بمبادرة من رئيس تحريرها بيتر هوت، الذي يرى أن هذه المعلومات تعد "الخطوة الأولى نحو اندماج" اللاجئين في ألمانيا، وهو ربما ما يمكن قراءته من عنوان الملحق "مرحباً بكم في ألمانيا". وكُتب في مقدمة الملحق "يُرجى إهداء هذه الصحيفة بعد قراءتها لأحد اللاجئين".

برنامج تلفزيوني مثير للجدل
في مبادرة أخرى أطلقت قناة إن تي فاو الإخبارية برنامجاً تلفزيونياً على موقعها الإلكتروني بعنوان "مرحباً بكم في ألمانيا". 

ويتلخص هدف البرنامج كما يؤكد مقدمه الألماني المتحدث بالعربية قسطنطين شرايبر في "تعريف الجمهور العربي، وخاصة اللاجئين منهم بطبيعة الحياة في ألمانيا ونمط حياة الألمان، كما يقدم شرحاً للتشريعات والقوانين التي تنظم حياتهم"، كما يقول المقدم في حوار سابق مع DW عربية.
وإضافة إلى القوانين المتعلقة باللاجئين والإجابة على أسئلتهم، فمن القضايا المهمة التي يعالجها البرنامج هي حرية الرأي والمساواة بين الرجل والمرأة في ألمانيا، وهي إشكاليات قد يختلف النظر إليها وتقييمها في الدول التي ينحدر منها اللاجئون.

ورغم المتابعة الكبيرة للبرنامج من قبل المشاهدين العرب، كما تقول القناة الألمانية، إلا أنه تلقى الكثير من رسائل الاحتجاج من مواطنين ألمان، إذ يرون أن بث برنامج باللغة العربية على قناة ألمانية من الأمور غير المرحب بها، ويؤكدون على ضرورة أن تكون البرامج الموجهة للاجئين باللغة الألمانية من أجل اندماجهم. وفي رده على هذه الانتقادات يقول المقدم الألماني في حواره مع DW عربية: "رغم الانتقادات، فهناك الكثير من المواطنين الذي يدعمون البرنامج، لأنه يقدم للاجئين معلومات أساسية بلغتهم العربية تساعدهم على الاندماج في المجتمع".

وللأطفال نصيبهم أيضاً...
يضع أحدهم بيضة وحبة بطاطا في ماء ساخن، وبعد دقائق يوضح أن البيضة باتت صلبة والبطاطا الصلبة باتت هشة، مشهد تعرفه أجيال عديدة في ألمانيا، من الذين تابعوا في صغرهم برنامج "الفأر". فهذا البرنامج المخصص للأطفال، وتتخلله مشاهد مسلية قصيرة للفأر الكبير والفيل الصغير، يُبث على القنوات الرسمية الألمانية منذ 1971. ويعرض لقصص "مفيدة ومسلية" – كما يقول مقدمها-، الهدف منها إيصال معلومات علمية مبسطة للأطفال ودفعهم إلى التفكير في محتواها.

ومن أجل ألا تقتصر البرامج والنشرات المقدمة للاجئين بالعربية على الكبار فقط، فقد عمدت قناة "غرب ألمانيا" المحلية إلى ترجمة حلقات من هذا البرنامج الشهير بين أطفال ألمانيا، كي يكون الطريق ممهداً لاندماج أطفال اللاجئين في الثقافة وأسلوب الحياة الألمانيين.

وأهمية هذا البرنامج تتلخص في أنه يقدم لموضوعات مرتبطة بالحياة اليومية في ألمانيا، التي يعرفها كل طفل بغض النظر عن الثقافة التي ينحدر منها، إذ توضح مشاهد الفأر والفيل كيفية عبور الشارع بطريقة صحيحة أو صعود الحافلة، أو لماذا تتساقط الأسنان اللبنية.
صفحات إنترنت موجهة للاجئين
من المؤكد أن الاختلافات كبيرة بين ثقافة ألمانيا وثقافة الدول التي ينحدر منها اللاجئون العرب، ما يشكل صدمة ثقافية لهم تبعث على الكثير من الأسئلة عن وضعهم القانوني وحقوقهم وعن المسموح والمحظور. ولهذا السبب أطلقت مؤسسة DW صفحة معلوماتية خاصة باللاجئين الجدد، تحاول الإجابة على أسئلتهم الملحة حول العمل والسكن وتعلم اللغة الألمانية.

وتبدأ الصفحة بتسليط الضوء على الجوانب القانونية للاجئين، ثم تتعدى ذلك إلى جوانب مهمة من حياة اللاجئين بعد النظر في طلباتهم، حيث يوضح أحد المواضيع سبل البحث عن السكن في ألمانيا ومن ثم شروط العمل والدراسة سواء في مراكز تأهيل مهني أو في الجامعات بالنسبة للذين يودون التقدم في تخصصاتهم العلمية والمهنية. وإضافة إلى هذه المواضيع الخدمية تقدم الصفحة على مدار الساعة الأخبار المتعلقة بأزمة اللاجئين والجدل الذي يدور في ألمانيا حولها.
من جانبها قامت القناة الأولى للتلفزيون الألماني أيضاً بإطلاق صفحة مشابهة.

وأمام حاجة دور النشر ووسائل الإعلام إلى تقديم برامجها باللغة العربية، فُتحت للمترجمين الملمين بالعربية فرص جديدة، بعد أن كان عملهم يقتصر على ترجمة الوثائق والنشرات التوضيحية في المقام الأول. كما أن حاجة السلطات الألمانية للتفاهم مع اللاجئين الجدد الذين لا يتقنون الألمانية أو الانكليزية، جعل من المترجمين الفوريين بين العربية والألمانية عملة نادرة.







كلمة فى الإذاعة المدرسية




شعر : علاء عبد السميع
..........................

الصبح باس ماما
وهيه بتحط الكتاب
فى الشنطة ويا السندوتش
خلى بالك من أخوك
الولد زى الربيع
قال لابوه
حاضر
وهو بياخد المصروف
كان مطيع ..
الشمس شقت ريقها
صبحت ع الشجر فى المدرسة
مكان ما يتلموا العيال فى ضلتها
ميلت ع العلم
العلم نازل وبيخبى فى عنيه
حيرته ودموعه
إزاى طابور المدرسة
ما وقفش
والوقت ده موعد طلوعه
الحرس بشارته وكابه لاحمر
لسه ما رماش السلام
مع إن الجرس دق ف معاده
العيال اتأخروا ليه النهارده ..؟
مع إنهم ..
وعدوا أكتوبر
فى كراسة التعبير بالانتصار
ويناير ..
فى كراسة الرسم أجمل من صورته فى التحرير
..
فى الأتوبيس
الصبح
قال لأصحابه
عن كلمة هيقولها بقلبه
بامتلاكه للشجاعة
زى ما الأبله قالتله
باسم هذا الحب من قلبه الصغير
كانت
كلمته فى الإذاعة المدرسية
ع الضمير
فجأة مالت شنطته
مال عليها
الولد يحضن الكراريس
اتسحبت لحظتها الشمس م الأتوبيس
الولد كان بينزف كلمته
ع الكراسات ..
وع الصحاب
الضحكة فى عيون الولاد
لسه استوتش
الدم سال ع المريلة
فى الشنطة ..
ف كابه لاحمر
جوه السندوتش ..
والعلم على صدره
كان ..
بيهتف
والملايكة تقول وراه
الطابور
مل لما الوقت طال
الطابور فى المدرسة
لسه بيستنى العيال
المس حضنت كل أطفالها بجراءة
لولى العيال / فتافيت
ع السكة منتورة
يا مس فين حضنك
يا ماما   ..  يا  ..حلمك
أمانة يا عمو
قلمى الرصاص
نفسى أكمل اسمى فى الكراس
على كلمة كانت للإذاعة
- مدرستى يا مدرستى -
كتابى القراءة ..
ع السكة الحديد ..
فى المزلقان ..
جنب الغفير ..
الكلمة كانت
ع ................  

تأكلُ الطيرُ من رأسه




شعر : أحمد عادل
......................
إلى حسن عامر ..


شجرةٌ تضايفُ الخريف بكلِّ ما تملكُ
حفلةٌ تنكريةٌ وأناسٌ يخبئون وجوههم بأيادٍ شفافة
ملابسُ تستيقظُ من حين لآخر
وقلبٌ لا ينامُ من الحمى
قدورٌ تغلي بمحبةٍ وخسائرُ تُأكلُ برضًا
مخلصون مقعدون وخائنون يلوِّحون من بعيد
عاشقون متفحمون وشوّايات
أنبياءٌ على سبيل الصدقة
وحواريون على سبيل المعايرة
مغنّون يمدّون حناجرهم من التوابيت
وآذانٌ تصطفُّ للعزاء
المعاناةُ ياصديقي
المشنقةُ التي ستتمسَّكُ بك حتى آخر نفسٍ
الأرجوحةُ التي تتحركُ باستمرارٍ ولا تستطيعُ النزول
آخرُ السكان الأصليين
وهو يودِّعُ جسدكَ كلَّ صباحٍ وينسى مدينةً ممددة على السرير
نباتيُّ المشاعر الذي لم تعد عنده شهيةٌ للذكريات الدسمة

كتابٌ مفتوحٌ إلى العَرَبيِّ المُنتَظَر..



شعر : عماد نصار
.........................


أَلَمُ النبيلِ من الحياةِ هو الحياةْ
غَمَسوكَ شعبًا في الشقا؛ فخرجتَ ذاتْ

تمشي بنار الأمنياتِ مُقطِّعًا
أيامها حطبًا لنار الذكرياتْ

يا شمعَ قومِكَ، يا دواءَ الذُّلّ يا
قرعَ الطبولِ، أيا حريق الأُغنياتْ

وصفوا عدوّكَ، بالغوا، وتهكّموا
فاخرجْ عليهم، أنتَ مُعجزةُ الصّفاتْ

نهبًا لشعبِكَ نحو عزّتِهِ ونهبَ
الحقِّ يصدحُ فيك في وَجْهِ الطُّغاةْ

حقّ القطيع من الرّعاةِ، وحقُّ وَرْدٍ
في الندى، حقُّ الحُفاةِ من الدُّهاةْ

فخذ الكتاب بقوةٍ واصبرْ له
ما فاتَ فاتَ، وكلُّ آتٍ أنتَ آتْ

أطلقْ لهُ الخيلَ العِتاقَ مظفّراتٍ
نافضاتٍ بالصهيلِ هوى السُّباتْ

العادياتِ بضَبْحِهِنَّ المُورِياتِ
بقدْحِهِنّ المُحيِياتِ من الرُّفاتْ

المُرعِباتِ كأنّما أسَدٌ عدا
والفاتناتِ كأنما تعدو مَهاةْ

ذلّتْ لكَ الأرضُ العزيزة فانطلقْ
واطوِ التي قد شئتَ يا عِشقَ الجِهاتْ

إن متَّ منتصرًا فعزّكَ في الردى
أو عشت مهزومًا فذُلُّكَ في النجاةْ

ويقال عاش وماتَ حيًّا خالدًا
لا أن يقولوا عاش حينا ثم ماتْ

حَلاَوةْ زَمَانْ




شعر: مجدى عبد الرحيم
.........................




اللِّيلْ ..
جِنَاحْ إِسْودْ غَطِيسْ
نَازِلْ بِيمْسَحْ
ذِكْرَيَاتْنَا الْجَمِيلَه
واللِّى بَاقِي فِ عُمْرِنَا
مِ اللِّي كَانْ
حَلاَوةْ زَمَانْ

. . . . . . . .

الْهَوَا ..
وِالْوَرْد
وِالنَّاسْ
الشَّوَارِعْ ..
وِالْبِيوُتْ
كُلْ شِيءْ أَصْبَحْ ..
مَسْخ

. . . . . . . .

وِالطَّرِيقْ عَتْمَه ..
وِضَبَابَ
وِالْقُلُوبْ مِتْغَيَّرَهْ
وِالصِّحَابْ ..
مِشْ صِحَاْب
وِالْعُيونْ مِتْحَيَّرَهْ
مَاشِيينْ خَلاَصْ
وِالْخَطَاوِى ..
مَالْهَاشْ دَلِيلْ

. . . . . . . .

وِالْجَرَايِد عَ الرَّصِيفْ
كِتيِر وِيَامَا
لَكِنْ ..
زَىَّ بَعْضْ
نَفْس الصّورْ..
الْكَلاَمْ
مِنْ كِتَابْ الْخُوفْ مَنْسُوخُهْ ..
نَسْخ

. . . . . . . .


وِاحْنَا زَىّ
فِيرَانْ تِجَارِبْ
نِضْحَكْ ..
وِنِبْكِى ..
بِتَعْلِيمَاتْ
نَاكُلْ ..
وِنِشْرَبْ مِنْ ..
سُكَاتْ
نِجْرِى وِنِهْرَبْ
مِشْتَاقِينْ ..
للِّى فَاتْ
وِاللِّى مَاتْ
واللِّى أَصْبَحْ ..
ذِكْرَيَاتْ

. . . . . . . .

يَا أّيُّهَا الْمُوتْ
اللِّي الْسَاكِنْ فِ الضُّلُوعْ
يَا أَيُّهَا التَايِهْ
فِ وِسْط الْجُمُوعْ
الرُّوحْ بِتنْهَجْ ..
فِ الزَّفِيِرْ
وَالشَّهِيقْ ..
خَلاصْ مِسَافِرْ
وِمَاعَدْشْ نَاوِى ..
عَ الرُّجُوعْ

كتابة المستحيل في غزة: حياة معلّقة


كتب : إسماعيل فايد

قد تكون أكبر التحديات التي تواجه الكتاب الفلسطينيين هي كتابة نص يعكس بصدق وقائع الأعوام السبعين الماضية وفي نفس الوقت يوضح أن حياة الإنسان الفلسطيني لا تقتصر فقط على روايات القهر الرهيب. ذلك أن الإصرار على تعقيد وفاعلية الحياة وسط الظلم، وفي الوقت ذاته المطالبة بما يطالب به كل الآخرين هو أيضا صفة من صفات المقاومة.

النكبة في عام 1948 مع ما شملته من نزوح جماعي للفلسطينيين من يافا وحيفا والقدس هي نقطة البداية في رواية عاطف أبو سيف الخامسة ذات الأربعمائة صفحة حياة معلقة" والمرشحة هذا العام للجائزة العالمية للرواية العربية.

على نهج الكثير من أدبيات المقاومة الفلسطينية، كما أصبح يطلق عليها منذ نكبة 1948 وهزيمة 1967، يروي أبو سيف روايات ثلاثة أجيال من اللاجئين في مخيم خيالي في غزة،  وصولا إلى تثبيت سلطة حماس ونتائجه الحالية، وفيها ينتهج أبو سيف الأسلوب التقليدي للرواية (فلا نجد أياً من الميول الروائية ما بعد الحداثية مثلما في رواية جبرا إبراهيم جبرا البحث عن وليد مسعود) رغم طموحه لأن يدفع الرواية فيما يتجاوز وصف فظائع الاحتلال نحو أنسنة شخصياته من خلال حياتهم وأفكارهم البسيطة اليومية. ليس هذا بالأمر اليسير.

نعيم، أحد الشخصيات الرئيسية في الرواية، يمتلك مطبعة صغيرة ويعيش على تل صغير في المخيم.  إنه شخصية مثل كثيرين غيره عاشوا النكبة: تمكنت والدته بالكاد من الهروب من يافا، وهو استطاع بالكاد أن يهرب إلى غزة بعد عام 1967، وإخوته وأخواته مشتتون في مختلف أنحاء العالم. أما عن أبنائه، فأحدهم معتقل، والثاني متزوج ومستقر في الخليج، والثالث يدرس في فلورنسا، بينما لازالت ابنته الصغرى تعيش معه.

يكتب أبو سيف بتجهم واصفاً طبيعة الشتات في حياة اللاجئين: "أبناء نعيم يعيشون تكراراً مملا لحياته، يعيدون إنتاج رحلته ويمرون بنفس الشتات".

لكن نعيم يُغتال فجأة بأيدي قوات الاحتلال- "هذه الوخزة الخفيفة قضت على مصدر الحياة وأغلقت كتابه وسرقت النور من وجه نعيم المليء بالحيوية"- ومن ثم يبدأ طوفان من الذكريات، إذ يشرع كل من في المخيم في تذكر كيف وصل بهم الحال إلى هناك وتفاصيل علاقتهم بنعيم. 

هذا الجزء من الرواية يتضمن نسيجا مذهلا من الجغرافيا والحكايات: فبينما يسلكون طريقهم خلال مناطق فلسطين المختلفة تروي هذه الشخصيات تاريخ حياتهم لتصطدم بواقع الاحتلال الحالي. الحاج خليل، جار يكتنفه الغموض، كان أول من استقر على التل وأقام لنفسه بيتا وحديقة ليربي فيها الماعز. عم يوسف تاجر يعيل أسرته من خلال محل بقالة صغير. وفي الجيل الأصغر يكسب مصور صحفي عيشه من خلال تسجيل "الأخبار الساخنة" في غزة، على حين تضيع حياة ابن شقيق نعيم بين السجون والنضال من أجل القضية. 

ينقطع هذا التسلسل السلس فجأة بعودة سليم، ابن نعيم، من فلورنسا، فيحتل المشهد وعلى مدى مائة صفحة تقريبا نتابع مغامراته الرومانسية العاطفية الصبيانية، يكتبها أبو سيف بأسلوب مخيف، حيث تستبدل اللغة المتأملة المتوازنة باستعارات غريبة ونمطية، وجمل تجمع ما بين الجفاء والتفاهة: "الشيء نفسه لازال يسكنها، مثل جنين ما زال يصارع من أجل البقاء في رحم الزمن"، و"من الربيع، ورماد النسيان وقسوة الماضي وتأوهات الهجر، بزغ الحب من جديد". يتعثر  المسار ونضيع  في تشابكات لا نهائية مع نساء يلقين بأنفسهن عند أقدام سليم، جارته، زميلة أسبانية، زميلة ايطالية، وذلك كله رغم أنانيته الواضحة وضعف شخصيته وقلة حيلته.

في النهاية نعود مرة أخرى إلى المخيم، حيث ينخرط أبو سيف في انتقاد النفاق الأخلاقي للعديدين من سياسيي حماس، الذين يخفون ميولهم النيوليبرالية الأصيلة وراء واجهة دينية كاذبة.

صبحي، شخصية محورية تمثل وزير الداخلية وبطل مقاومة سابق، يقول لسكان المخيم إن الحكومة قررت "تنمية" التل، وسوف تزال المباني القائمة (ومن بينها منزلا نعيم والحاج خليل) لبناء مسجد ضخم وقسم شرطة ومركز تسوق (الثلاثي النيوليبرالي الإسلامي). ثم يتضح أن هذا الاهتمام المفاجئ بالأرض هو من بنات أفكار صبحي وخميس (ابن عم يوسف والذي أصبح رجل أعمال فاسد وداهية جمع ثروة طائلة من حفر الأنفاق إلى مصر).  يوضح رد فعل سكان المخيم أن التل، الذي كان في السابق موقعا لمعسكر انجليزي ثم إسرائيلي، قد شهد الكثير من أعمال المقاومة، ومن ثم فأهميته ليست في قيمته العقارية وإنما في رمزيته التاريخية. 

ورغم أن مقاومة السكان لا تثمر عن نتائج، بل تنتهي الرواية بجنازة أخرى، إلا أن الشخصيات تبدو هذه المرة وكأنها على شفا تغيير عميق. فالأجيال التي شهدت المآسي الكبرى في  1948 و1967 تذهب، والأجيال التي شهدت الانتفاضة الأولى في عام 1987 تبلغ منتصف العمر، على حين تكبر أجيال جديدة في سياق آخر، حيث المخاطر أكبر، ولكن الأسئلة أيضا أكثر، وتُطرح اليوم بشكل مختلف.  نسمع الحوارات الداخلية ذاتها لجنازة نعيم، لكنها هذه المرة تشمل أسئلة أكثر وجودية عن مستقبل غزة والشباب المختنق بالحصار وحكومتها الفاسدة وحواجزها القاسية، وتحاول أن تتجاوزها كلها. 

أبو سيف، الذي ولد عام 1973 وهو أيضا ابن المخيم ومقيم في غزة، يحاول بهذه الرواية أن ينجز مهمة مرهقة ومزدوجة: أن يكتب عن تاريخ الشتات الفلسطيني ومآسي الاحتلال الإسرائيلي وفي نفس الوقت يؤلف رواية مثيرة للاهتمام. 

وعلى حين نجح في انجاز المهمة الأولى، فإن محاولاته بشأن الثانية تراوحت في درجات نجاحها. فهو يجهد نفسه لخلق شخصيات مركبة تتجاوز الصورة النمطية لللاجئ الفلسطيني كمحارب من أجل الحرية مقتول أو معتقل. إنه يشرع في مشروع واعد: يحاول أن يصور الحياة الداخلية- مهما كانت بسيطة أو سطحية- في الوقت الراهن، في ظل الحصار وعقود طويلة من حياة اللجوء. إلا أن  أسلوب السرد الضعيف للرواية التي يطغى عليها في أحيان إيقاع هابط وجمل نمطية وتكوين سطحي للشخصيات، كلها تحول دون أن تمثل "حياة معلقة" سابقة فارقة في الأدب الفلسطيني.
مع ذلك فإن ما تمنحه لنا الرواية هو أن اللاجئين ليسوا مجرد أرقام، وأن شواطئ غزة الجميلة أنقذتها من اليأس الكامل، وأن بالإمكان نقل قصص الصدمة والفقدان بطرق غاية في الرقة والقوة. 

وفاة الكاتبة وعالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي



توفيت يوم الاثنين الكاتبة وعالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي عن 75 عاما بعد معاناة مع المرض.

والمرنيسي من اشهر الكاتبات المغربيات المدافعات عن حقوق وقضايا المرأة والتي تناولتها من زاوية علم الاجتماع على الأخص.

وكانت من اوائل المغربيات اللواتي تلقين تعليما عربيا في مدارس خاصة بسبب معارضة والدها للتعليم في مدارس فرنسا الاستعمارية.
وتابعت دراستها في المغرب وفرنسا والولايات المتحدة الامريكية واشتغلت بتدريس علم الاجتماع في جامعة محمد الخامس بالرباط.
وحصلت المرنيسي في عام 2003 على جائزة امير استورياس الاسبانية مناصفة مع الناقدة والروائية الامريكية سوزان سونتاغ.

وتُرجمت اعمالها الى عدة لغات. ومن أشهر أعمال فاطمة المرنيسي (شهرزاد ليست مغربية) و(ما وراء الحجاب) و(الاسلام والديموقراطية) و(شهرزاد ترحل الى الغرب) و(احلام النساء الحريم ) .


كيف يُصدق الناس معلومة يعلمون أنها خاطئة؟




يجلس معجبو نادي Kansas City Royals أمام التلفاز وهم يعتقدون بعدم وجود علاقة بين قبعاتهم الجالبة للحظ (أو الجوارب أو القمصان) وبين نتيجة مباراة ضخمة في ملعب سيتي فيلد في نيويورك، الذي يبعد عنهم مسافة 1200 ميلا. لا يمكن إقناع الكثير من هؤلاء المعجبين بمشاهدة المباراة دون ارتداء تلك الملبوسات الجالبة للحظ.

ليس الأمر متعلقا بعدم فهم الناس أن تلك القبعات ليست لها علاقة علمية بنتيجة المباراة (ما عدا المؤمنين بالخرافات) ولكنه يتعلق بوجود طاقة للحدس لا يمكن إلغاؤها رغم لا معقوليتها الكلية. 

بالنظر إلى دراسة قام بها طبيب نفسي يُدعى Paul Rozin وبعض زملائه في جامعة بنسلفينيا في 1986 فقد طُلِب من المشاركين في هذه الدراسة إلصاق عبارتين على حاويتي سكر متطابقتين. هاتان العبارتان هما “سكر القصب” و”سيانيد الصوديوم (سُم)”. على الرغم من إعطاء حرية اختيار العبارات  فقد كانوا مترددين في استخدام الحاوية التي ألصقوا عليها عبارة “سُمّ”. كان حدسهم قويا بحيث أنه أثَّر على سلوكهم رغم إدراكهم عدم وجود علاقة بين الأمرين.

يعتمد الأطباء النفسيون الذي يدرسون صناعة القرار ونتائجه المباشرة دائما على الفكرة المشهورة التي جاء بها Daniel Kahneman في كتابه “Thinking, Fast and Slow,” وهي أن هناك وضعان (modes) لمعالجة المعلومات: هناك “نظام سريع” وهو حدسي وينتج الانطباعات والأحكام بسرعة وهناك “نظام بطيء” يعمل بتأنٍّ وجهد، ومسؤول عن معالجة ومراجعة مخرجات النظام السريع عندما يعثرُ على خطأ.

في أغلب الأوقات يكون النظام السريع كافيا لنا. عندما تقرر أخذ مظلتك عند خروجك من المنزل فأنت تنظر إلى السماء لترى إن كانت غائمة بما فيه الكفاية كي تمطر. تستخدم خلال ذلك طريقة مختصرة مبنية على التشابه (هل يُمكن أن تُمطر؟) بدلا من التفكير في الاحتمال. هذه الحالة بصفة عامة مثال رائع على مبدأ الحكم بناء على التجربة (rule of thumb). 

لكن النظام السريع معرض أيضا للتشويش والأخطاء. إذ تدفعك الغيوم إلى الاعتقاد بأنها قد تمطر وفي نفس الوقت لا تأخذ في حسبانك أنك تزور سان دييقو (بدلا من سياتل) فمن المحتمل أن يكون حكمك قابلا للتشويش. (من الناحية الفنية: أنت تتجاهل القدر الكافي من قاعدة Base rate للحكم السليم على احتمال).

في هذه الحالة يستطيع النظام البطيء التدخل. عندما يُشير أحدهم إلى أن احتمال هطول المطر في سان دييقو ضعيف جدا حتى عندما تكون السماء غائمة جدا، فمن المُفترض أن تُراجع حُكمكَ وتترك المظلة في منزلك فقد وجد نظامك البطيء خطأً وقام بتصحيحه.

ناقش البروفيسور رايزن في إحدى أوراقه المنشورة حديثا في Psychological Review عدة حالات في موضوع الخرافة والتفكير الغامض/السحري حيث أشار إلى أن النظام البطيء لا يعمل بهذه الطريقة دائما. عندما يتوقف الإنسان لوهلة لمراجعة حقيقة كون حدسه الخرافي غير منطقي فإن نظامه البطيء الذي يُفترض أن يصلح الأخطاء لا يقوم غالبا بذلك. يستطيع البشر إدراك أن اعتقاداتهم الخرافية غير معقولة عقلًا لكن تلك الاعتقادات ما تزال موجودة وباقية بقوة متمثلة في سلوكهم. العثور على خطأ لا يقود الناس بالضرورة إلى تصحيحه.

من السهل التعرف على هذا الهوس المعرفي ضمن إطار الخرافة، لكنه ليس محصورا ضمنها. لو تبنى مدرب فريق بيسبول مثلا إستراتيجية أو خطة ill-advised sacrifice bunt فمن السهل افتراض عدم معرفته بأن الرهان سيكون حتما على خسارة إستراتيجيته التي من المحتمل أن تؤذي فريقه. قد يملك كل المعلومات الصحيحة لكنه يختار أن لا يستخدمها بناء على حدسه في ذلك الموقف بالتحديد.

أحيانا يُفاقِم النظام البطيء المشكلة بدلا من إصلاحها فبدلا من أن يجعل قرار المدرب أكثر عقلانية فإنه قد يضاعِف سوء المشكلة بمحاولته عقلنة الحدس عن طريق خلق أسباب تبرر القيام بما قام به لاحقا، على الأقل في هذه الحالة بالتحديد.
بمجرد أن ندرك أن العثور على خطأ لا يقتضي بالضرورة معالجته (هما نظامان منفصلان، وليسا نظاما واحدا كما يُفترض حسب الـ “dual system” models) فإننا في وضع أفضل لمعالجة الخطأ. فمثلا بدلا من أن يوعِز إلى المدرب بأن القيام بتلك التضحية عمل غير عقلاني (وكأنه لا يعلم ذلك أصلا!) فإنه قد يعمل على التوصية بسياسات معينة بما يجب أن يفعله في مثل هذه المواقف قبل فوات الأوان وتشجيعه على الالتزام بها، لكن من الصعب جدا ابتكار عقلانية طويلة المدى لموسم كامل في البيسبول مثلا.

عندما يختار مدرب الفريق إستراتيجية ما بغض النظر عن معرفته بأن الإحصائيات تُشير إلى احتمال خسارة فريقه لجولة، فإنه لا يتَّبع الخرافة. قد يستطيع حتى عقلنة قراره وإقناع نفسه بأن قراره صحيح، لكن ما يقوم به يشبه في الحالة النفسية ذلك المعجب الذي يرتدي القبعة الجالبة للحظ أو لاعب الكرة الذي لا يقف على خط “الفاول”. كلاهما لديه حدس قوي ولكنهما لا يستطيعان خلخلته.

الحرب ليست الحل، لماذا لم تنهِ حرب فرنسا في مالي عنف المتطرفين؟


بعد عامين من طرد القوات الفرنسية قوات الجهاديين من شمالي مالي، أثار الهجوم الأخير الذي استهدف أحد الفنادق الفخمة بمالي المخاوف من أن المتطرفين الإسلاميين يكسبون الأرض مرة أخرى في هذا البلد المضطرب، على الرغم من عقد اتفاق جديد للسلام بين الجماعات المتمردة المحلية.

يأتي هذا بينما يشير مسئولون في مالي والأمم المتحدة إلى اتفاق السلام بأنه علامة فارقة محتملة لإحلال السلام. العرب يهيمنون على الشمال، كما أنهم يبدون قلقًا من تصاعد وتيرة العنف مرة أخرى. وتصارع الحكومة المركزية الضعيفة مجموعة من التحديات: الفقر الراسخ، وتهريب المخدرات، ومزيج من تزايد المنافسة، والتعاون بين الفصائل الإسلامية في منطقة غرب إفريقيا.

يقول بيتر فام، مدير مركز إفريقيا في المجلس الأطلسي في واشنطن: «ما تزال الأوضاع اليوم في مالي هشة كما كانت قبل انقلاب عام 2012»، مشيرًا إلى الاستيلاء العسكري على السلطة الذي وقع إثر استيلاء التمرد في الشمال على مقاليد الأمور. فرنسا تدخلت في السنة التالية، بعد أن استولى المقاتلون الإسلاميون على جزء كبير من الأراضي.

وأضاف أن «الفرنسيين ربما حاولوا الحيلولة دون استيلاء الإسلاميين على السلطة، ولكن لا يمكن إعادة بناء دولة ضعيفة في غضون عامين».

قلة من الناس يتوقعون أن هذه الأمة التي يبلغ تعداد سكانها 17 مليون نسمة سوف تصبح موطئ قدم للإسلاميين مرة أخرى. ولكن يشعر كلٌ من المراقبين الأجانب والماليين بالقلق من أن الجماعات المتطرفة الموجودة في البلدان المحيطة لم تزل تثير اضطرابًا من خلال استغلال الاستياء المحلي، وهذا الزخم من الهجمات الإرهابية الأخيرة في باريس وغيرها.
وقد أكدت اثنتان من الجماعات الجهادية مسئوليتها عن الهجوم الذي وقع الأسبوع الماضي في فندق راديسون بلو، الذي خلف 20  قتيلًا على الأقل في العاصمة الصاخبة، على بعد مئات الأميال من المنطقة الصحراوية الشاسعة التي تعمل فيها الميليشيات الإسلامية بشكل طبيعي.

يختلف الخبراء على الدافع المحتمل، مع إصرار مسئولي الأمم المتحدة على أن الهجوم كان محاولة لإفشال محادثات السلام وغيرها، مما يدل على أنه كان جزء من التنافس الجديد بين الجماعات الموالية لتنظيم القاعدة، والجماعات الموالية لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في المنطقة.

هناك أيضًا آراء متضاربة حول أفضل طريقة لاحتواء العودة المحتملة للتطرف الإسلامي، بعد عامين من حكم حكومة الرئيس إبراهيم أبوبكر كيتا، التي توصف على نطاق واسع بأنها ديمقراطية، ولكن فاسدة. البعض يتطلَّع إلى الجيش المالي، الذي يتألف من 8 آلاف عضو لفرض الأمن، على الرغم من أنه في حاجة ماسة إلى الإصلاح والتدريب، فضلًا عن المعدات والتمويل.
ويقول آخرون: إن الحل يكمن في سرعة تحقيق التنمية والخدمات وفرص العمل في الشمال؛ معتبرين ذلك بأنه الطريقة الوحيدة لمنع أعداد كبيرة من العاطلين عن العمل من الشبان المسلمين، وكذلك المتمردين السابقين من مختلف الجماعات الانفصالية القبلية، من تجنيدهم من قبل الجماعات الجهادية الممولة جيدًا.

يقول المنجي حمدي، الممثل الخاص للأمم المتحدة في مالي: «إنه لإنجاز عظيم أن تتحدث المجموعات المتقاتلة بصوت واحد، ولكن نحن بحاجة إلى تحقيق مكاسب السلام – المياه والكهرباء والطرق والمدارس – حتى يرى السكان أن السلام أحدث فرقًا في حياتهم»، وأضاف: «هذا هو الدافع الذي من شأنه أن يبقي الناس متمسِّكين بالسلام».

تعتمد مالي بشكل كبير على المجتمع الدولي فيما يتعلق بالأمن والاقتصاد، تتمركز قوة حفظ السلام الدولية مع أكثر من 10 آلاف جندي هناك، وتتمركز قوة فرنسية أصغر لمكافحة الإرهاب منذ عام 2013. وتأتي كميات كبيرة من مساعدات التنمية من الولايات المتحدة وفرنسا وبلدان أخرى. ويقول بعض النقاد: إن التمويل يتم التفريط فيه عن طريق الرشوة، ولكن حمدي وآخرين يرون أن هناك حاجة إلى أكثر من ذلك لتعزيز دور الدولة في مناطق النزاع.

حتى الآن، يُنظَر إلى مالي، إلى حد كبير، باعتبارها تعاني من افتراس الجماعات المتطرفة، التي نشأت في الدول المجاورة، احتشدت الميليشيات الليبية في شمال مالي، بعد الإطاحة بالدكتاتور معمر القذافي في عام 2011، وشكل الزعيم الجهادي الجزائري سيئ السمعة مختار بلمختار جماعة المرابطين، التي يعتقد معظم الخبراء أنها التي قامت بالتخطيط لهجوم فندق راديسون بلو في 20 نوفمبر.

في الأشهر الأخيرة، كما يقول الخبراء، تغيرت الخريطة الإقليمية للتنظيمات الجهادية. برزت على الأقل مجموعة واحدة جديدة في مالي، جبهة تحرير ماسينا. إنها واحدة من المجموعات التي ادعت أنها نفذت هجوم الفندق. وبينما بدأ تنظيم القاعدة يتوارى أمام الصعود المتنامي لتنظيم داعش، غيرت الجماعات الجهادية الصغيرة في المنطقة من تحالفاتها وولاءاتها مع جانب واحد أو آخر.
وقال عدد من المسئولين والخبراء الدوليين: إن ما سيحدث في مالي في الأشهر المقبلة يمكن أن يعزز  الاتجاهات الأكثر تطرفًا في المنطقة، يقول الممثل الخاص بالأمم المتحدة في مالي: «مالي في وسط الساحة الآن، وهي بلد ضخم يمتلك حدودًا مع سبعة آخرين، ويمكنها أن تؤثر على كل منها». وأضاف: «يتعين على المجتمع الدولي اتخاذ موقف أكثر جدية، إذا فقدنا مالي، سيُغيِّر هذا عقلية المنطقة، ثم سيبدأ البرابرة المتعطشون للدماء في مهاجمة كل مكان».

لدى مالي، المستعمرة الفرنسية السابقة، التي تبلغ نسبة المسلمين 95 % من سكانها، تقاليد من القيم الإسلامية المعتدلة المختلطة مع النفوذ المسيحي، ولكن الفساد الحكومي والإهمال جعلا العديد من الماليين ينظرون بمزيد من القلق إلى السياسة العلمانية، وفق ما قاله الخبراء.

يقول آدم تيام، وهو كاتب عمود في صحيفة (لو ريبابليكان): «لدينا دولة علمانية ودستور، ولكن الناس يشعرون بالاستياء من سوء الإدارة والفساد». وتابع: «لماذا لدينا تنظيمات جهادية؟ لأننا نحاول بناء دولة حديثة دون موافقة الشعب. إذا لم يكن هناك المزيد من اليقظة الدولية على نظام الدولة الفاسد، فسنرى المزيد من التفجيرات الانتحارية».

وهناك مشكلة منفصلة أصبحت أيضًا متشابكة مع العنف والتطرف الديني في مالي، وهي تجارة المخدرات المزدهرة. كل شهر، تتدفق الملايين من الدولارات في الكوكايين والحشيش والمخدرات الأخرى، التي تصل إلى مالي من المنتجين العالميين، في أماكن، مثل: كولومبيا وجنوب شرق آسيا، ويتم تهريبها إلى شمال الجزائر وخارجها. وتشمل التجارة الجماعات المتمردة المسلحة، وكذلك الميليشيات الجهادية، والتي تستخدم الأرباح للدفع للمقاتلين، وشراء الأسلحة.

قال مسئول دولي لم يرغب في ذكر اسمه؛ لأنه غير مُصرَّح له بالحديث مع الوسائل الإخبارية: «تقع المخدرات في قلب الاضطرابات في الشمال، لا يريد المهرِّبون السلام؛ لأنه يعرقل عملهم، إذا لم نمنع هذا العمل، لن يدوم الاستقرار أبدًا».
تهدد هذه المجموعة من المشاكل، مجتمعةً ـ المنافسات الجديدة والتحالفات التي تشجع المهاجمين الجهاديين، خيبة الأمل الشعبية في الحكومة، ونقص الموارد اللازمة لدعم وعود السلام في الشمال، الشبكات الإجرامية الراسخة، وعلامات انتشار نفوذ الإسلاميين ـ تهدد بإفساد لحظة الأمل التي خلقتها اتفاقات السلام الموقعة في يونيو.

يقول مامادو كامارا، رئيس تحرير مجلة، والمسئول الصحفي السابق في إدارة كيتا: «لم تزل هناك ديناميكية سلام إيجابية، ولكن الدولة ضعيفة وفاسدة، ولم نحظَ بحكومة ديمقراطية، سوى لمدة سنتين فقط». وأضاف: «إن الخطر الأكبر الذي نواجهه اليوم هو أن الزخم الإيجابي سوف ينقلب إلى دوامة جديدة من العنف».

اشحن هاتفك مرة واحدة كل أسبوع مع هذه الشاشة الجديدة


إذا استيقظت ذات صباح للعمل، وتذكرت فجأة قبل أن تغادر أنك نسيت شحن الهاتف قبل أن تنام من الإرهاق البارحة، فإنك تصاب بالضيق، وهو نفس الضيق الذي يصيبك كل يوم وأنت تبحث عن الشاحن لتضع هاتفك المحمول وهاتفك اللوحي، إنها للأسف، رحلة كل يوم، لكن ربما أصبح هذا من الماضي بعد أن أُعلن عن هذه الشاشة الجديدة، التي يساوي احتياجها من الطاقة تقريبًا، صفر!

قام بابتكار هذه الشاشة فريق من المملكة المتحدة، جاعلين إياها تضئ اعتمادًا على طاقة ضئيلة جدًا، لا تكاد تذكر، وبذلك تصبح بديلًا رخيصًا ورائعًا لشاشات المحمول الحالية والتابلت، مع ألوان حيوية وقدرة رؤية عالية في ضوء الشمس المباشر.
الفريق يقوم بعقد محادثات الآن بالفعل مع أكبر شركات الإلكترونيات في العالم، لكي يروا ما إن كانت تستطيع استبدال شاشات اللمس الإل سي دي الحالية في غضون السنتين المقبلتين، مما يعني نهاية عصر الشحن اليومي للهاتف المحمول تمامًا.

وقد قال أحد الباحثين، بيمان حسيني لصحيفة التيليجراف، إنهم يستطيعون أن يكونوا سوقًا جديدة تمامًا، فإذا أخذت الساعات الذكية كمثال، فإنها تضطرك إلى الشحن كل ليلة، ما يبطئ انتشارها بين الناس، أما إذا استطعت امتلاك ساعة ذكية أو نظارة ذكية لا تحتاج الكثير من الطاقة، فإنك لن تحتاج إلى شحنها إلا مرة كل أسبوع.

الفريق الذي طور هذه الشاشة تابع لشركة "بودي للتكنولوجيا"، وهم من الذين درسوا في جامعة أوكسفورد، وقد اعتمدوا في صنعها على نوع من المواد يسمى "الجرمانيوم - أنتيموني - تيلوريوم"، أو ما يسمى اختصارًا بـ "جي إس تي GST"، ومن المفهوم لنا أن الباحثين لم يفصحوا عن معلومات تخص طريقة صناعتها بالضبط، لأنهم سيطرحونها في الأسواق، لكن، بحسب ما نشروا في ورقة علمية العام الفائت، فقد وصفوا كيف يمكنهم تشكيل شاشة صلبة أو مرنة من حزم ميكروسكوبية من طبقات من مادة GST والأقطاب.

كل حزمة مكونة من طبقة واحدة سمكها 7 نانو متر من مادة GST، موضوعة كأنها "سندوتش" بين طبقتين من الأقطاب الشفافة، ولا تحتاج هاتان الطبقتان أكثر من تيار كهربي منخفض جدًا لإنتاج الصور الملونة وعرضها على الشاشة.
ويقول موقع The Engineer، إن الصور الثابتة في هذه الشاشة كان تكوينها يتم بداية باستخدام قوة ميكروسكوبية على مستوى الذرات، لكن الفريق استطاع أن يثبت أن هذه الحزم يمكن تحويلها إلى نماذج أولية بكسلية، هذه البكسلات النانوية، يمكن أن تشغل وتطفأ بتمرير التيار الكهربي فيها، مكونة نقاطًا ملونة تشكل اللبنات الرئيسية لتكنولوجيا شاشات عالية الجودة.

الفريق قال إن شاشته فائقة الرقة يمكن لها أن تنتج شاشة ملونة زاهية عالية الجودة، حتى عندما تسقط عليها أشعة شمس وهاجة مباشرة، بسبب الطريقة التي تستطيع بها التلاعب بالضوء، ما يجعلها مناسبة جدًا للاستخدام في شاشات النظارات الذكية القابلة للطي، أو حتى شبكيات العين الاصطناعية التي تقلد قدرات مستقبلات الضوء الموجودة في العين البشرية.

فكرة الطاقة الضئيلة جدًا التي تعتمد عليها هذه الشاشات، سوف تصنع تغييرًا دراماتيكيًا في كمية الطاقة المستهلكة بواسطة الهواتف الذكية، ما علينا الآن إلا أن ننتظر الإعلان عن الشراكات التجارية الضخمة، حيث يقول الباحثون إنهم واثقون بكون أول نموذج لهم سيصدر في خلال الاثنا عشر شهرًا القادم، وربما، سيحررنا هذا من عبوديتنا الدائمة لأسلاك شحن الهاتف كل يوم.


إدانة إسرائيليين اثنين بقتل الصبي الفلسطيني محمد أبو خضير حرقا


أدانت محكمة شابين إسرائيليين يبلغان من العمر 17 عاما بتهمة قتل الصبي الفلسطيني محمد أبو خضير، الذي اختطف وأُحرق حتى الموت في القدس عام 2014.

وأُجل الحكم على مشتبه به ثالث يعتقد أنه مدبر الاعتداء على أبو خضير لمراجعة حالته العقلية.
وأدى مقتل الصبي الفلسطيني، 16 عاما، إلى تصعيد في العنف بين إسرائيل والفلسطينيين، وبدء عملية عسكرية اسرائلية موسعة على غزة استمرت قرابة شهرين .

وقتل أبو خضير في ما يبدو أنه انتقام لقتل ثلاثة إسرائيليين.
وعثر على جثمان أبو خضير المحروق الذي بدت عليه أثار ضرب في غابة غربي القدس في الثاني من يوليو/تموز.
وجاء بعد يومين من العثور على جثث ثلاثة مراهقين من المستوطنين قتلوا على يد مسلحين تابعين لحماس وعثر عليهم في الضفة الغربية، حسبما تقول اسرائيل.

وقال الادعاء الاسرائيلي إن اثنين من الأحداث لم يذكر اسماهما ورجل يبلغ عمره 31 عاما ويدعى يوسيف حايم بن ديفيد اعترفوا لدى استجوابهم بضرب أبو خضير حتى فقد الوعي وإحراقه حيا بسكب البنزين عليه وإشعال النيران.
ويوم الاثنين خلص القضاة في محكمة في القدس إلى إدانة الحدثين بالقتل.

وقالوا أيضا أن الأدلة تدين بن ديفيد، ولكن الحكم عليه سيؤجل حتى تقييم حالته العقلية.
وكان محامي بن ديفيد قد سلم الأسبوع الماضي تقرير أعده أطباء نفسيون يشير إلى أنه لم يكن مسؤولا عن أفعاله وقت ارتكاب الجريمة.

وكان الادعاء قدم أدلة قال إنها توضح أن بن ديفيد كان مسؤولا عما قام به.
وقال حسين أبو خضير، والد محمد، إن بن ديفيد يحاول تضليل المحكمة. ونقلت صحيفة هآرتس الاسرائيلية عن ابو خضير قوله "لا توجد عدالة".

وقتلت قوات الأمن الاسرائيلية فلسطينيين اثنين، يشتبه في قتلهما ثلاثة مستوطنين اسرائيليين، في اطلاق للنار على مخبأهما في الخليل في سبتمبر/أيلول 2014.

وصدر الحكم على متهم ثالث هو حسين القواسمة بثلاثة احكام بالسجن المؤبد في يناير/كانون الثاني بعد أن أدانته محكمة اسرائيلية بعدة اتهامات من بينها 3 اتهامات بالضلوع في القتل.

هذا الكمبيوتر بخمسة دولارات وانتهى من الأسواق بيوم واحد!


نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية (CNN)-- قامت شركة "Raspberry Pi" بتخفيض حدود الأسعار مرة أخرى في قطاع الكمبيوترات بهذا المنتج الجديد.

إذ قامت المنظمة غير الربحية البريطانية بإصدار كمبيوتر ضئيل الحجم وبسعر خمسة دولارات فقط، وقد بيع هذا الجهاز باسم "Raspberry Pi Zero" وانتهت كميتها المباعة عبر الإنترنت من الأسواق خلال يوم واحد فقط.

ويعد الكمبيوتر الجديد أرخص بمقدار 30 دولار من كمبيوتر "Raspberry Pi" الذي قدمته الشركة سابقاً في 2012، وأرخص بمقدار أربعة دولارات من شريحة "CHIP" التي جمعت أكثر من مليوني دولار من موقع التمويل الجماهيري بداية هذا العام.

هذا وقد قامت الشركة بتوزيع 10 آلاف كمبيوتر مجاناً عند الإعلان عن المنتج برفقة مجلة "MagPi" الخاصة بالشركة، وقال المسؤولون عن الشركة إنها تعمل على تصنيع المزيد من الكمبيوترات لكنها لن تتمكن دوماً من مواكبة الطلب المتزايد عليها.

ولكن لم هذه الضجة الكبيرة حول الكمبيوترات التي تصنعها هذه الشركة؟ إليكم السبب، ففي عام 2012 عرف كمبيوتر "Raspberry Pi" بكونه أصغر وأرخص كمبيوتر، وتعد هذه المنتجات مجرد ألواح رئيسية يمكن استخدامها لبرمجة الروبوتات ووصل الأجهزة.

وتعمل الشركة على توفير عدد من الكمبيوترات الرخيصة الأخرى لمساعدة الناس على تعلم البرمجة والتشفير، مثل كمبيوتر "Kano" الذي يمكن للمستخدمين تركيبه بأنفسهم، والذي يستخدم كبيوتر اللوح الرئيسي للشركة كدماغ للجهاز.

وتعمل وحدة المعالجة بحوالي واحد غيغا هيرتز، و512 بسعة التخزين الرئيسية "RAM"، ويمكنها أن تعمل بقوة خاسوبية تعادل هاتف آيفون 4، وهنالك مدخل لربط الكمبيوتر بكوابل "mini-HDMI" لكي تتمكن من مشاهدة الأفلام عالية الوضوح.

لماذا كان يجب أن تتعثر الثورات العربية؟


لم يكن غربيًا كل ما جرى في الأشهر الأولى من العام 2011 بطول العالم العربي، فالشارع الذي انفجر فجأة بوجه النظم السياسية الحاكمة فيه كان يعيش بالفعل تحولات كبيرة منذ مطلع الألفية، مع ما جلبته تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة بشكل غيّر تمامًا من طبيعة المجال العام، ليُحدث نوعًا من الديمقراطية والشفافية المعلوماتية التي لم تستطع النظم الحاكمة أن تتحكم فيها بسهولة، وهو تحول كان لينعكس مباشرة على المجال السياسي دون شك، غير أن الطريقة التي انعكس بها مع الواقع الذي كشفته تلك الديمقراطية المعلوماتية لم يكن بالضرورة موائمًا تمامًا للصورة الوحدوية الرومانسية التي رسمتها أولى شعارات تلك الثورات، والتي أطلقتها مجموعات صغيرة منتمية للطبقة الوسطى في بادئ الأمر.

بقدر ما أملت التحولات المعلوماتية انقلابًا سياسيًا إذن، فإنها حتمت عليه أيضًا أن يتعثر خلال سنوات قليلة كما نشهد الآن، فالمساحة التي انفتحت على سبيل المثال في الثورة المصرية بميدان التحرير، ملأتها حشود جديدة ومختلفة بشكل كبير مستظلة بالنظام القديم وشبكات مصالحه بعد حوالي عامين في 30 يونيو، فيما يثبت أن المجال الجديد مساحة تستطيع كافة الأطراف أن تستخدمها لصالحها، والثوار وأعداؤها هنا سواء، كما يثبت أن الشارع الافتراضي الذي حرك الثوار العرب في أول لحظات الربيع، يختلف كثيرًا عن التعقيد الذي يتسم به الشارع الحقيقي، والمنقسم بين الثورة وأعدائها، والإسلاميين وأعدائهم، والسنة والشيعة، وغيرها من انقسامات شكلت مسار الربيع أكثر مما فعل شعاره الأشهر، "الشعب يريد إسقاط النظام".

هل تشرذم الربيع حقًا؟
ليس ذلك عيبًا في الشعار بطبيعة الحال، والذي خرج من عقليات انحصرت قبل ذلك في المجال الافتراضي، وحملت، ولو بشكل جزئي، إرث المجال العام الاستبدادي الذي سبقه لعقود بما فيه من افتراضات اجتماعية وسياسية زائفة، أبرزها أن الشعب العربي يمكن أن يكون له صوت واحد، أو حتى إن شعبًا واحدًا كالشعب المصري أو التونسي أو غيرهما هو كيان واحد، وهو إرث تعود جذوره لمنظومة الإعلام العربي التي شكلت المجال العام خلال الخمسينات والستينات واستمرت حتى أواخر القرن العشرين، والتي ارتكزت لخطاب وحدوي عربي على نمط الخطابات القومية الكلاسيكية القادمة من الغرب أولًا، وهو ما لم يتفق والواقع الأكثر تركيبية الذي قامت فيه، كما قامت على أحادية في الخطاب مستندة لنظام مستبد خلقت بها صورة "الشعب" الواحد المتجانس، والتي لم تتفق هي الأخرى مع تنوعات الشارع على الأرض.

نجح المجال العام القديم بالطبع في الاستمرار بنفس الصورة التي هيمنت عليها الدول العربية وآلاتها الإعلامية حتى وقعت ثورة تكنولوجيا المعلومات العقد الماضي، وفتحت مجالًا عامًا وإعلاميًا أفقيًا لا رأسيًا، وأتاحت درجة من الفردانية لم تكن متاحة من قبل، وتمثيل لمجموعات عانت من القمع سابقًا وشكلت تحديًا للخطابات القومية الوحدوية، لتكون أول النتائج هي ميل المجال العام العربي بقوة ناحية الديمقراطية بشكل طغى على الشارع الحقيقي أولًا، ثم ظهور تشرذم كبير في المجال العام على المستويات السياسية، الطائفية، العرقية، الدينية، وغيرها، في نوع من أنواع "انفجار الواقع" الذي كان جزءًا في الحقيقة من الربيع نفسه على عكس صورة الربيع الرومانسية التي رُسِمَت دون وعي بنفس التحيزات الوحدوية القديمة.

لسوء حظ الكثيرين ممن أرادوا أن يدفعوا قدمًا ناحية منظومات سياسية أكثر انفتاحًا وديمقراطية، فإن النظم القديمة استفادت بقوة من الربيع العربي لنفس تلك الأسباب، فإن كان المجال العام الديمقراطي الجديد قد أربكها قبل الربيع، كما حدث مع الحراك المتنامي في مصر قبل الثورة بخمس أو ست سنوات، فإن الثورات شهد تشرذمًا أربكها هي بعد الربيع متيحًا للنظم القديمة أن تلعب على الانقسامات لتُطيل عمرها قدر الإمكان، بل وأن تستخدم نفس تلك المساحات لتمرير شبكة مصالحها كما حدث مع ميدان التحرير في يونيو 2013.

تباعًا، يمكن القول إن الثورات العربية لم تتشرذم بقدر ما مثل الواقع التالي لها تحديًا في كيفية الاشتباك به، وهو واقع لم يكن سهلًا اكتساب الدراية به سريعًا، بدءًا من الشرائح الاجتماعية المحافظة والمتحفظة على راديكالية الثورات، والمجموعات القبلية التي امتلكت تصورات مختلفة عن الأهداف التي تريد تحقيقها منه، وحتى قدرة النظم القديمة على اللعب على الانقسامات بسهولة واستخدام نفس المجال العام الديمقراطي لمواجهة قوى الربيع العربي، ودرجة التعقيد التي اتسمت بها مؤسسات الدولة والمصالح المشتبكة بها في الداخل والخارج.

العجلة لن تعود للوراء
يحلو للكثيرين الآن إذن التحدث عن العودة للخلف في مصر وتونس، وهو حديث غير دقيق في الحقيقة، فعجلة الثورة في مصر لم تعد للخلف ولكنها تعثرت بينما نجحت قوى مختلفة في معرفة آلية تُحرّكها للأمام ووقفها أو استغلالها لصالحها، وبقدر ما كان انقضاء لحظة الربيع الرومانسية الأولى حتميًا لصالح واقع أكثر تعقيدًا، فإن تجاوز التعثر نفسه مسألة وقت ليس إلا، لا سيما وأن ديمقراطية المجال العام مسألة لا يمكن أن تعود للخلف، وهو ما يثبته الحراك المستمر، والذي عاد في مصر لقواعده في المجال الافتراضي ليس إلا بعد أن خسر المعركة الثانية في يوليو 2013.
بقدر ما يبدو الأفق ضبابيًا في المرحلة الراهنة، فإن التاريخ، والطبيعة الاجتماعية لتحولات المجال العام التي أدت للربيع أيضًا، يقولان بأن التعثر لن يدوم طويلًا، وأنه جزء من سُنة الثورة في الحقيقة لا نهاية مؤلمة كما قد يرى المتشائمون، فالبيئة العربية الجديدة ما بعد الربيع حاضرة وموجودة بشكل لا يمكن إلغاؤه والعودة لمنظومة التسعينات وما قبلها، والمحاولات الفاشلة من جانب النظام المصري حاليًا لغلق المجال لا يقابلها إلا المزيد من فقدان الشرعية كما تثبت لجان الانتخابات الخالية، والسخط المتزايد والمستمر في الشارع الافتراضي، والشارع الحقيقي أيضًا كما أثبتت أحداث أخيرة عدة كالأقصر والإسماعيلية.

كيف ستكون العودة إذن ومتى؟ هو سؤال لا يمكننا الإجابة عليه إجابة قاطعة بالطبع، ولكن يمكننا القول بأن العودة مرهونة برسوخ إدراك واسع أن الحراك الثوري لا يجب أن ينحصر في إطار وحدوي وهتاف واحد على غرار صورة الربيع الأولى، لا سيما وأن المجال العام فيما بعد، وأي منظومة سياسية ديمقراطية مستدامة ستتمخض عنه، سيكون لزامًا عليه أن يمثل مصالح وهويات كافة الشرائح المكونة له كما هي على الأرض، كما ستكون تلك العددية أساسًا لأي عقد اجتماعي حقيقي يضمن استمرارية تلك المنظومة والحفاظ على تعددية المجال العام، والتي ستكون تعددية حينئذ لا تشرذمًا.

أخيرًا، يجدر القول إن التشرذم الحاصل حاليًا ليس تشرذمًا في حد ذاته بقدر رؤيته بهذا المنظور مقارنة بالمنظومة القديمة التي قامت على أحادية أو وحدوية زائفة، وهو ما يدفع بالكثيرين ممن حسبوا أنفسهم لحظة وقوع الربيع الرومانسية على الثورات إلى الوقوف بصف نفس النظم القديمة اليوم حماية للوطن في نظرهم أو تخوفًا من الانزلاق للفوضى، وهو مرة أخرى تجسيد للمعضلة الذهنية التي تنتاب الكثيرين من المنتمين للطبقة الوسطى الذين أطلقوا الثورة في البداية، وحملوا تحيزات من المنظومة السابقة دون وعي، فالتشرذم والاضطراب الحالي أمر حتمي، واستغلاله من جانب المنظومات القديمة أيضًا مسألة متوقعة ومنطقية. 

تجاوز التعثر إذن مرهون فقط بإدراك شرائح واسعة لتركيبة الشارع العربي، وضرورة صياغة صورة جديدة لعودة الحراك الثوري أكثر استيعابًا لها لا أكثر توجسًا من فوضويتها، وهو حراك سيكون أكثر تعقيدًا بالتبعية، ولكن أكثر استدامة مستقبلًا، وأصعب على النظم القديمة أن تتحكم فيه، كما سيكون أكثر قابلية لتحقيق انتصار شافٍ يرسخ ديمقراطية المجال العام الجديدة ويوسعها للمجال السياسي.