جاليليو


لعل اسم جاليليو أكثر الأسماء شيوعا في المدونات العلمية ؛ غير أن الاراء تختلف اختلافا بينا فيما يتعلق بالأعمال التي قام بها بحيث يصعب على العالم العادي أن يحدد بدقة ما حقيقة جاليلو . يذكر لنا بعض الكتاب أن جاليليو كان تجريبيا ، وأنه صاحب " المنهج العلمي " لدراسة الحقائق العالمة للطبيعة " ، ويوضحون ذلك بذكر ما نسب اليه من انه كشف قوانين الاجسام الساقطة عن طريق الملاحظة المتكررة لما يحدث عندما تسقط كرات متباينة الاوزان من قمة برج بيزا المائل . هذا، بينما يذكر ىخرون أنه لم يتعلم شيئا من التجارب ، وأنه لم يلجأ إلى التجربة الا لكي يتحقق من نتيجة وصل اليها عن طريق التدليل الرياضي والاستنتاجات القائمة على فروض اولية . اطلق عليه لقب " أبو العلم الحديث " . يقول السير دافيد بروستر أن جاليليو أحد " شهداء العلم .

ان فهم المدلول الحقيقي لما فام به جاليليو في علمي الفيزياء والفلك ، يتطلب منا أولا وقبل كل شيء معرفة واضحة لمدى اتساع وطبيعة العلم الذي كان سائدا اذ ذاك ، كما يتطلب بعد ذلك معرفة كافية لتاريخ العلوم الفيزيائية منذ ذلك الوقت ، بهذا يمكننا أن نقيم العناصر التي ثبت أثرها انفعال فى تقدم العلم .

كان جاليليو يحيا فى فترة خصبة تحدد نهاية العصور الوسطى وعصر النهضة وبداية عصر العلم الحديث ؛ ومن ثم جاليليو كان شخصية انتقالية ، احدى قدميه في الماضي ، على حين تمتد الأخرى في المستقبل . والنتيجة ، أن من الغرور الذى لا حد له أن يدعي المرء الملاءمة بين التناقضات في التفسيرات المختلفة التي قدمت خلال المائة عام الماضية . غير أن ذلك لا ينفي بروز عدد من الجوانب في الأعمال التي حققها جاليليو.

كان جاليليو عالما فيزيائيا وفلكيا ورياضيا . وقدم أول مساهمة هامة له فى علم الفلك عام 1604 عندما كان أستاذا في جامعة بادوا ، ذلك المنصب الذي شغله عام 1592 وعمره ثمانية وعشرون عاما . وألقى جاليليو محاضرة عامة اوضح فيها ، على أساس من الشاهدات الدقيقة ، أن هذا النجم الجديد نجم حقا ، ولا يمكن أن يكون شهابا عابرا في الغلاف الجوي المحيط بالأرض ، لأنه ثابتا بعيدا من بين النجوم الثابتة البعيدة عن نطاق نظامنا الشمسي . وتنبأ جاليليو بأن النجم سيظل مرئيا لفترة قصيرة ثم يختفب بعد ذلك .

جرأة جاليلو فيما قاله ليس من السهل ادراكها . ذلك أن النظرة العامة التي كانت سائدة أذ ذاك فيما يتعلق بالعالم الخارجي كانت أرسطية في مجموعها ، وكان الاعتقاد السائد هو أن السماوات تتصف بالكمال وعدم التغير ولا تعاني نموا أو تحللا . أن الأرض فقط ، وهي مركز الكون ، هي القابلة للتغير . وقوانين الفيزياء على الأرض تختلف اختلافا بينا عن قوانين الفيزياء التي تنطبق على الأجرام السماوية .

وكان رأيه القائل بأن السماوات الكاملة وغير القابلة للتغير قد تعاني من النمو أو من التحلل ، لابد أن يصطدم بالأرسطيين . يقول ج . ج . فاهي ، أحد مؤرخي جاليليو ، أن الأرسطيين قد " تضايقوا من ظهور هذا النجم " بقدر ما تضايقوا مما فعله جاليليو حين لفت النظر الى هذا النجم بقوة وبشكل علني " . وكان جاليليو من الذين اعتنقوا آراء كوبرنيكوس ، بالرغم من انه لم يكن قد جرؤ على اعلان ذلك " خوفا من أن يلاقي مصير استاذه كوبرنيكوس " .

بدأ جاليليو بدراسة القمر ، واستنتج أن " سطح القمر ليس كامل الملامسة دائريا بالضبط ومتجانسا تماما .
وانتقل جاليليو بعد ذلك الى النجوم وكشف فى التو أن  هناك فرقا بين النجوم الثابتة والكواكب او السيارات . ثم انتقل بعد ذلك الى مشاهدة المجرة أو طريق التبانة وتعجب من شدة العجب اذ وجده " مجرد عدد لا حصر له من النجوم موزعة في مجموعات " . وأكثر من ذلك ، لقد وجد أن كافة " السدم " ، التي استمر بخصوصها جدل طويل ، ما هي الا كتل من النجوم .

في السابع من يناير عام 1610 كان جاليليو يشاهد كوكب المشترى عندما لاحظ وجود ثلاثة نجوم صغيرة ولكنها لامعة جدا وتقع الى جوار الكوكب . واستمر ليلة بعد ليلة ، يشاهد هذه المجموعة من " النجوم " ، واخيرا دون تردد أن هذه النجوم الثلاثة تدور حول المشترى ، كما تدور الزهرة وعطارد حول الشمس . كما دلت هذه المشاهدات أن هناك أربعة أجرام سماوية ، لا ثلاثة فحسب ، تدور حول المشترى ... " .

ادت كشوف جاليليو الى جعل النظام الكوبرنيكي " نظاما مقبولا من جهة النظر الفلسفية " . وذلك عندما احتلت الارض مكانة مماثلة للكواكب الأخرى وللقمر . ولقد بين ان الأرض تضيئ مثل بقية الكواكب ، بعكس ضوء الشمس ، وذلك عندما لا حظ أن النصف المظلم من القمر التربيعي يضيء بشكل خافت نتيجة للضوء
المنبعث من الأرض . واما الشمس فهي تضيء من ذاتها ، ولهذا تختلف عن الأرض والقمر وبقية الكواكب .
أن حياة جاليليو والاعمال التي حققها تكشف عن الوحدة في الهدف يندر وجودها عند العلماء ، فنشاطه في مجال الميكانيكا يكمل نشاطه في ميدان الفلك بحيث يصبح الجميع كل متكاملا .

لا يسع المرء الا أن يعجب بتلك الروح التي لا تخبو ، والتي مكنت جاليليو ، والخجل يكلله ، والسجن يحيط به ، والمرض يحاصره ، وكتاباته ممنوعة التداول - من أن يستكمل كتابه الاخير الهام " العلوم الحديثة " الذي نشر سرا . ويحق لنا اليوم أن نتساءل : هل كسبنا حقا معركة حرية الايمان ، فنحن ما زلنا نستطيع أن نردد عبارة جاليليو : " ان الفلسفة تبغي الحرية " .

المصدر : كتاب " رجال عاشوا للعلم " 
 جيمس نيومان
ميشيل ويلسون
ترجمة : أحمد شكري سالم

Share this

Related Posts

Previous
Next Post »