(((( صلاح جاهين .. و كأنه يتكلم الآن ))))



 

 كتب : محمد أحمد إسماعيل
..........................................

كصرخةِ لحظةِ الميلاد ، استمرت حياتُه ، أو استمرَّ هو يرصدُها من خلال نافذة قلبه ــ عميق الحزن و الفلسفة ــ و كأنه يقف على صخرة مدببة ، في عمق بحرِ متلاطم الأمواج بعد أن سقط من سفينة ، يقلب صفحات الكون و الحياة ، ينظر إلى صفحة السماء الممتدة للانهائية ، و يصنع من الموج أجنحة و يحاول أن يجوز بهو هذا الفراغ .. سرعان ما ينظر تحت قدميه ليرى أنه لا يملك إلا موضعهما فوق الصخرة المدببة .. تصرخ روحه ...

( مرغم عليك يا صبح ، مغصوب يا ليل
لا دخلتها برجليا انا .. و لا كان لي ميل
شايلنى شيل دخلت انا في الحياة
و بكرة ح اخرج منها شايلنى شيل )

يكبر الجسد و يتمدد ، و تتعلق الروح بعالم يراه هو في قلبه ، يغني في آن ، يبكي في آن ، أو يبكي و يغني في آن واحد ، فيصيح في مرآته : من أنت أيها الضاحك الباكي ؟؟ ..
( خرج ابن آدم م العدم قلت : ياه
رجع ابن آدم للعدم قلت : ياه
تراب بيحيا .. و حي بيصير تراب
الأصل هو الموت .. و لا الحياه )

أدرك و أيقن تماما ، أن الحياة كلمة ، و أن الكلمة حياة ، الكلمة التي نشبت سنانيرَها في شغافِ قلبِه ، فنزف قلبه حتى شف ، و اصطاد هو الكلمة ..
( عجبتني كلمة من كلام الورق
النور شرق من بين حروفها و برق
حبيت أشيلها ف قلبي .. قالت حرام
دا انا كل قلب دخلت فيه .. اتحرق )

إذن كن كلمة ، تكن حياة .. قالها جاهين لنفسه ، و استدار ببدنه ( التخين )
، تقافز مع الكلمة ، وحلق معها و بها و لها ، ازدحمت به شوارع الليل ، هز باب الحلم بعنفوان ، انتفض الحراس ، صاح فيهم ...

( أنا قلبي كان شخشيخة أصبح جرس
جلجلت به ، صحيوا الخدم و الحرس
أنا المهرج .. قمتوا ليه ، خفتوا ليه
لا فإيدي سيف .. و لا تحت مني فرس )

فيلسوفا عظيما كان ، و ساخرا عظيما عاش ، و ماذا يملك هذا القلب الذي احتوى الكون و هو في حجم التفاحة الصغيرة ، إلا أن يسخر من كل شيء ، حتى نفسه ..
( بين موت و موت .. بين النيران و النيران
ع الحبل ماشيين الشجاع و الجبان
عجبي على دى حياة .. و يا للعجب
إزاي أنا ــ يا تخين ــ بقيت بهلوان ؟ )

و ماذا يفعل الربيع إزاء كل هذا الدم ... ؟؟
سأرحل في الربيع إذن حتى ترقص أزهاره في جنازتي ..
وقت مثالي للموت ...

( على رجلي دم .. نظرت له ما احتملت
على إيدي دم .. سألت ليه ؟.. لم وصلت
على كتفي دم .. و حتى على راسي دم
أنا كلي دم .. قتلت ... و لا اتقتلت ؟؟ )

لم يحتمل قلبه انكسار الحلم ، و لا صفعات الموج ، انتظر ، و لم تأتِ السفينة ، تكوَّم فوق الصخرة المدببة ، انزوى إثر عزلة .. و لكن هل يرضى هذا القلب العاشق للحياة بالعزلة ؟ .. لا .. سقط منه الجسد ، التصق البدن بسرير حزن الروح ، .. جاء الأطباء .. فحصوه .. " هذا القلب لا يموت ، إنه مفعم بالحياة " في صرخة مكتومة نزت من قلب شقيقته " سيبوه .. هو عايز يموت "
و رحل البدن في 21 إبريل 1986 م ..
و بقي صلاح جاهين ، و كأنه يتكلم الآن

Share this

Related Posts

Previous
Next Post »